العودة للخلف

فضائل شهر رمضان

تاريخ النشر: 19 / 02 / 2026
: 26

فضائل شهر رمضان

الحمدُ لله رب العالمين، غافرِ الذنب وقابل التوب، عظيم الصَّفْح واسع المغفرة، منَّ فأفضل وأعطى فأجزل. وصلى الله على الهادي البشير، والسراج المنير، وعلى آله الأخيار وصحبه الأبرار، وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فهذا شهر رمضان ذو الفضائل الكثيرة، والمواهب الغزيرة، التي يعجز البيان عن الإحاطة بها، ويكلُّ القلم عن الكتابة عنها.

* فهو شهر القرآن كما قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}، وقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ}، وقال سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ}.

فاختص الله هذا الشهر بتنزيل القرآن فيه، ولهذا كان جبريل عليه السلام ينزل على النبيِّ يدارسهُ القرآنَ كلَّ ليلة. متفق عليه.

ولا تخفى عناية سلفنا الصالح بالقرآن في هذا الشهر تلاوة وتدبّرًا وقيامًا به.

* ومن فضائله أنه شهر المغفرة وتكفير السيئات بسبب الصيام والقيام والعبادة والتلاوة. كما في الصحيحين([1]) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». و«مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

وفي صحيح مسلم (233) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».

* ومن فضائله: أنَّ اللهَ تعالى يتفضّل على من شاء من عباده بالعتق من النار. فقد جاء من حديث أبي هريرة، وأبي أمامة وغيرهما رضي الله عنهم أن النبي قال: «إنَّ لله عُتقاء مِن النار كُلّ ليلةٍ مِن رمضَان»([2]).

فما أسعد من تعرّض في هذا الشهر لنفحات الله فغُفر له وأُعتق من النار.

* ومن فضائله: أنه تُفتح فيه أبواب الجنة، وتُغلق أبواب النار، وتُصفّد الشياطين. كما في الصحيحين([3]) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي قال: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ».

قال ابنُ رجب رحمه الله: «في شهر رمضان يلطف الله بأمة محمد فيغل فيه الشياطين ومَردة الجنّ حتى لا يَقدروا على ما كانوا يَقدرون عليه في غيره من تسويل الذُّنوب، ولهذا تقلّ المعاصي في شهر رمضان في الأمة»([4]).

وقال سماحةُ الشيخ ابن باز رحمه الله: «هذا الحديث يدل على فضل هذا الشهر العظيم، وأنَّ الله جلَّ وعلا يوفّق العباد فيه للأعمال الصالحة الكثيرة التي تفتح لها أبواب الجنة وتفتح لها أبواب السماء كما في الرواية الأخرى، وفيه الحث على التوسع في الخير من الصلاةٍ والصدقات والتسبيح والتهليل وغير ذلك اغتنامًا لهذه الفرصة، فرصةُ هذا الشهر العظيم وما فيه من جودِ الله وكرمه وسعةِ إحسانه، وما فيه من تصفيد الشياطين وعدم وصولهم إلى ما كانوا يصلون إليه في الشهور الأخرى، وأنَّ شرَّهم يضعُف»([5]).

* ومن فضائله: مضاعفة حسنات الصيام إلى ما لا يعلم قدره إلا الله تعالى. كما في الصحيحين -واللفظ لمسلم- أنَّ النبي قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي»([6]).

* ومن فضائله: أنّ فيه ليالي العشر وهي أفضل ليالي العام، وليلة القدر وهي أفضل ليلة على الإطلاق. قال الله تعالى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.

وفي الصحيحين([7]) عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي كان «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ».

* ومن فضائله: فضل العمرة فيه. كما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال لامرأة من الأنصار رضي الله عنها: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي، فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً» وفي رواية لمسلم: «حجة معي»([8]).

وأخرج ابن ماجه عن وهب بن خنبش رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «عمرة في رمضان تعدل حجة»([9]).

وعند البزار والطبراني عن أبي طليق أن النبي قال: «إنَّ عمرةً في رمضان تعدلُ حجَّة»([10]).

ويؤخذ من هذا الحديث ونحوه: فضل العمل الصالح عمومًا في شهر رمضان، وعظمته ومضاعفة الأجر عليه بإذن الله تعالى.

* ومن فضائله: ما اختُص به من الأعمال الصالحة التي تهذب الأخلاق وتصلح القلوب، من الصيام والقيام وتلاوة القرآن والصدقة وغيرها.

وفي المسند والنسائي عن أبي أمامة قال: أتيت رسول الله فقلت يا رسول الله مُرْني بعمل ينفعني الله به، فقال: «عليك بالصوم فإنه لامثل له»([11]).

وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ»([12]).

* ومن فضائله: أنه مِن أعظم الأوقات التي يرجى فيها إجابة الدعاء.

قال الله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}

وفي تخلُّل هذه الآية بين آيات الصيام سِرٌّ بديع ، وهو: أنّ زمان الصيام زمان يرجى فيه قبول الدعاء . وسنزيده إيضاحًا إن شاء الله تعالى في مناسبة قادمة.

وفي المسند أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ لِلهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ»([13]). وقال ﷺ: «ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم»([14]).



([1]) البخاري 2014، ومسلم 760. والبخاري 2009، ومسلم 759 .             

([2]) الترمذي 682 ، وأحمد  22202 ، وانظر: في الجامع الصحيح 1461، والتعليقات الحسان 3426.

([3]) البخاري 3277 ومسلم 1079.

([4]) لطائف المعارف 181.

([5]) شرح رياض الصالحين ، عند الحديث منه.

([6]) البخاري 5927 ، ومسلم 1151.

([7]) البخاري 2024، ومسلم 1174.

([8]) البخاري 1782، ومسلم 1256.

([9]) سنن ابن ماجه 2991 . وانظر: الجامع الصحيح 1514.

([10]) انظر: الجامع الصحيح 1422 ، والصحيحة 3069 ، والإرواء 1587 .

([11]) مسند أحمد 22220، وسنن النسائي 2221 وانظر: الجامع الصحيح 1450.

([12]) البخاري 4997 ومسلم  2308 .

([13]) مسند أحمد 7450 .

([14]) أخرجه أحمد وابن ماجه وإسحاق وغيرهم. انظر: الجامع الصحيح 1358، والصحيحة 1797 .

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم نسخ الدعاء بنجاح